مربط الخلل في جائزة المغرب للكتاب

05 مارس, 2015 12:56 ص

10 0

فكم نادَيْتُ، بما يُشْبِه النَّفْخ في قِرْبَة مثقوبة، بضرورة الاهتمام بالشِّعر، وبتخصيص عدد من مجلة آفاق، التي لم تعُد مجلة تحضى باهتمام أحد من القُرَّاء، ممن كانوا في الماضي يعتبرونها مرجعاً لهم، ولم أجِد من يلتفت لهذا الجنس الإبداعي اليتيم، الذي هو أكبر من أن يتحوَّل إلى كتابة تحت الطلب، أو كتابة تخضع لسلطة المال، أو الإعلام. فالشِّعر كان، دائماً، جنساً أدبياً سامياً، متى سَعَيْنا إلى حَجْبِه وتهميشه، خَرَجَ من رماده جديداً، وبعيداً في صُوَرِه وخيالاته ورؤاه، واسْتَمَرَّ في الحياة، دون حاجةٍ لأوكسجين اصطناعي، كما يحدُث في غيره من أجناس الكتابة، التي أصبحت كتابةً لا تخضع لشرط الجمال والإبداع، بقدر ما أصبحت تخضع لمعايير الاختبار والمنافسة، أو ما تتطلَّبُه شروط المسابقات والجوائز التي هي إحدى آفات واقعنا الإبداعي اليوم، بما فيها ما يجري في جائزة الكتاب بالمغرب، التي تحتاج لنقاش واسع، ولإعادة تفكيرها، وتنتظيمها وفق منطق يمنع كل أشكال الظلم والتزوير والأحقاد الشخصية، التي لم تكن وليدة اليوم، بل إنها جرتْ دائما، بتفويت الجائزة لأشخاص ليسو أهلاً لها على حساب غيرهم ممن كانت الجائزة ستحظى بدعمهم لها، وليس بدعم الجائزة لهم.

أهذه المؤسسة، يا معالي وزير الثقافة، التي تريد أن تعود بالوضع لِما كان عليه، لم تكن طرفاً، في شخص بعض أفرادها، في ما جرى من انتهاك للحق في القرار والاختيار؟ أليست ما تُشْرف عيه من جوائز، كان عُرْضَة للنقد والتشكيك، ثم أليس ادِّعاء أهمية الشِّعر، وجدارة شاعر أو شاعرة بهذه الجائزة، في الوضع الراهن، هو نوع من المُزايدة، ومحاولة تنظيف اليد مما علق بها من دَنسٍ؟ ثم أليست هذه المنظمة التي تريد أن تكون حلاًّ، هي جزء من المشكلة، أو هي كل المشكلة؟ لِنَعُد إلى صوابنا، ونخرج من هذا النوع من المزايدات الصغيرة التافهة، التي لا حاجة لنا بها، ونُعلن إفلاسَنا جميعاً، ونقوم بنوع من المراجعة، وننتقد ذواتنا قبل انتقاد غيرنا، بأننا طرفاً في ما يجري، وأننا نتحمَّل المسؤولية في كل هذه الأعطاب الواقع، بهذا القدر أو بذاك، وأنَّ اللسان الذي نتكلم به، هو لسان مليء بمرارات الانكسار، والفشل الذريع في تدبير شأن الثقافة، التي هي اليوم، في وضع حرج، وربما كارثي.

إنَّ من يريد أن يُدافع عن حق الآخرين في حَقٍّ ما، عليه أن يكون عارفاً أنَّ الحقوق لا تُجْتَزأ، وأنَّ الديمقراطية تربية، تبدأ من البيت، وتستشري في المدرسة، وفي سلوكاتنا، وفي ما نتحمَّله من مسؤوليات، فمن يقصي الآخرين، ويستبعدهم لأنهم ليسو معه في نفس الفكر، ولا في نفس الخط، كيف يمكنه أن يدعي الدِّفاع عن غيره؟ لا معنى لهذا البلاغ، ولا معنى لما فيه من كلام، لأنه كلام فيه تشويش وتحريف وتدليس على الرأي العام الثقافي الذي يعرف حقيقة ما يجري داخل الاتحاد، الذي أصبح سفينة بدون شراع، وربما أنَّ من يقودونها لا يعرفون أنَّ البحر لا يستقر على حال، وأنَّ الأنواء قد تعصف بهذا الخشب القديم المُهْتَرِيء، الذي ما زالوا يعتبرونه صالحاً للإبحار. وبناءً عليه، أرجو من السيد وزير الثقافة أن يحترم قرار اللجنة السابقة، رغم كل ما يمكن أن يكون من مؤاخذات عليه، وأن يكون أمر الجائزة انتهى، وأنَّ الحل الوحيد الممكن لإنقاذ الجائزة من مثل هذا العبث الذي حدث في أكثر من محطة، هو تشكيل لجنة من أشخاص نزيهين، يفكرون في صيغ أدبية وقانونية جديدة لإبعاد الجائزة عن مثل هذا العبث اللا أخلاقي الذي مَسَّ بقيمتها، وحوَّلها من قيمة فكرية، إلى قيمة مالية. وقد أذهبُ إلى أبعد من هذا وأطلب منكم السيد وزير الثقافة حذف القيمة المالية، والإبقاء على ذِرْعٍ رمزية، فقط، وسأكون، في هذه الحالة أنا أول من سيُرشِّح عمله، لأنني أعرف أنَّ الكثيرين سيرفضون الترشُّحَ لجائزة لا مال فيها. فالجائزة، في شقها المالي أصبحت نوعاً من الغنيمة، ليس في الشِّعر وحده، بل في كل أجناس الكتابة، وهذا هو مربط الخلل يا معالي وزير الثقافة.

إنَّ من كان يُعاني من الغرق، ليس من حقه أن يُطالب بإنقاذ الآخرين، خصوصاً حين يكون غرقاً في ماءٍ ضَحْلٍ، أو في ذلك الطَّمْيِ الذي منه خرج الإنسان أعرجاً منذ أوَّل خلقة، ليستمر أعرجاً في ما يصدر عنه من سلوكاتٍ أفْسَدَتْ كل شيء، بما فيه الثقافة، التي هي آخر قَشَّة متبقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

مصدر: hespress.com

إلى صفحة الفئة

Loading...